عنوان الكتاب : البحث العلمي ومدارات الجودة والإبتكار
المؤلف، : د. محمد خروبات
الناشر : د. محمد خروبات
الطبعة : الأولى
الطبعة : 2026-03-31
عدد الصفحات : 214
عدد المجلدات : 01
رقم المجلد : 01
فئة الكتاب :
وصف الكتاب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد :
فنعود من جديد للكلام في موضوع قديم يتجدد، ولولا الهم ما حصل الكلام في موضوع فيه كلام، ومن الكلام ما هو رحمة ومنه ما هو أزمة، نتوجه بإصدارنا الجديد الموسوم بـ”البحث العلمي ودارات الجودة والتقويم” لتتميم ما سبق الكلام عليه في كتاب “مناهج الدراسة الجامعية: آفاق البحث والتكوين” الذي صدر سنة 2019م، كما أنه يأتي مكملا لعمل سابق صدر تحت عنوان “الدراسات الإسلامية ومستلزمات الجودة والابتكار”، وهو كتاب إلكتروني موثق صدر سنة 2022م، ومجمل هذه الأعمال نابع من موقع الاهتمام بالبحث العلمي تدريسا وتكوينا، وبحثا وتأليفا.
بُني الكتاب على سبعة فصول، دارت مباحثها على معالجة متطلبات الجودة من حيث الأمانة وتلافي خرقها، والتحلي بأخلاق المعرفة ومنهج الدراسة، ودور الجامعة في المحافظة على البحث العلمي والقيم، ورصد عناصر الخلل الواقع في البحث العلمي من شيوع ظاهرة الانتحال وسبل مكافحته، وشيوع ظاهرة التطرف والعنف اللتين تتمان باسم التخصص والمسؤولية والانتماء المذهبي والعقدي والأيديولوجي، والمطالبة بتفعيل الرقابة العلمية والقانونية وسبل المكافحة بالوقاية الأكاديمية (التملك المنهجي والعلمي، والتملك النقدي، والتملك التطبيقي والواقعي، والتملك القيمي والأخلاقي). وعالج الكتاب في بعض فصوله أخلاق الطالب الجامعي، واللّامفهوم في الخطاب المعاصر (خطاب التعجرف والتطرف)، وبحث معايير الجودة ومهارات فوق المعرفة في الدراسات الإسلامية، والتكامل المعرفي وعوامل الجودة، ومسالك الحوار (جدلية العلم والفكر، وأساليب الحوار وأصناف المتحاورين)، وطرق التكوين (طرقه ومراحله وطبيعته وخصائصه)، والنقد (نقد الرواية، نقد التاريخ، النقد المقلوب وأساليب الجهل)، وقواعد التفكير (القواعد الأخلاقية للتفكير، والقواعد التوجيهية، والقواعد المجالية، والقواعد البنائية للعلم، والقواعد البنائية للفهم)، أما أسس البحث والتحرير، فقد عالج فصل منها الشروط الأساسية المطلوبة (الشروط الزمانية والمنهجية والشكلية، والشروط الموضوعية واللغوية والواقعية، والشروط المكتبية والتوثيقية والتأصيلية)،واستقل الفصل السابع والأخير بتقييم وتقويم القراءات الجديدة للقرآن الكريم، والكلام عن القرآن هو باستصحاب الحال؛ فقد تناوله في ميزان تكامل المعارف ومتطلبات المنهج (التملك المعرفي، والتملك النقدي، والتملك التكاملي، وتملك علوم الإنسان، والتملك المقصدي، وتملك علوم القرآن، وتملك علوم البيان)، مع معالجة مكونات عالمية الخطاب القرآني من خلال لغة القرآن، والنظام الاجتماعي، ونظام العلاقات، والنظام الأخلاقي والقيمي.
الشهادات التي تمنح في العالم الإسلامي في تخصصات العلوم الإسلامية والإنسانية وكذا العلوم الطبيعية والتجريبية تنقصها القيم؛ فالقيم من القيمة، والفاقد للقيم لا قيمة له، والقيمة هي الوزن، وتولد عن فقدان القيم وجود ناس من دون قيمة، فالله “قيوم”، ودينه “قَيِّم”، والرجل قَوَّام، والمرأة قائمة، والوحي (يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)، والقيم تعني الاستقامة، ولا قيم من دون دين القيمة، والذي تجسده “شعبة الدراسات الإسلامية” داخل الجامعة المغربية، ولا يقع التحرش على الشعبة، وعلى الجامعات العريقة، والتعليم الأصيل في العالم إلا لكون هذه المؤسسات حمالةَ قيم.
حين طغى الجانب الاقتصادي والمادي على القيم أصبحت العملية التربوية والتعليمية تُوجَّه نحو هذا التوجه، وأصبح التكوين ماديا صرفا؛ فالتعليم الجيد هو التعليم الذي يرتبط بسوق الشغل، والتكوين الناجح هو الذي يكون وفق مخرجات ومدخلات يُراعى فيها الجانب الاستهلاكي، فالإنسان الذي لا يَستهلك ولا يُستهلك لا خير فيه ولا قيمة له.
افتُعلت الخصومة بالأمس بين الدين والفلسفة والعلم، وتقاطرت الكتابات في الموضوع لأجل التصالح والتجانس والتوفيق والرد الحاد والمخفف بين هذا الاتجاه وذاك، ثم اتضح فيما بعد أنها ملهاة فكرية، ورياضة فكرية تسخينية لمباراة برزت اليوم بين اتجاهين من المفروض أن يكونا متجانسين. اختفت الخصومة بين الدين والفلسفة والعلم لتحل محلها خصومة هي أشد فداحة بين الدين والمتدينين، كل الأديان تعرف تصالح معتنقيها؛ فالهندوس متصالحون مع الهندوسية، واليهود يعانقون يهوديتهم، وكذلك المسيحيون، في حين تجري اليوم معركة حامية الوطيس بين الإسلام والمسلمين، وبعض هؤلاء –للأسف– مفعول بهم بثقافة الآخر، غير فاعلين في ثقافتهم وبثقافتهم.
حين ينشد المفكرون الغربيون البحث عن البديل أو البدائل فهذا يعنيهم ولا يعني الثقافة الإسلامية في شيء؛ فلا الدين الذي انتقدوه هو الإسلام، ولا كتابهم المقدس هو القرآن الكريم، ولا المجتمع الغربي بتركبته الخاصة هو المجتمع الإسلامي بتقاليده وأعرافه.
إن التقاط الآراء والمزاعم والانتقادات من الفكر الغربي وإسقاطها على الثقافة الإسلامية تحت ما يسمى بـ”تكامل العلوم والمعارف” أو “تجديد القراءة” أو ” إعادة القراءة” هو عين الأزمة في الثقافة العربية الراهنة، أزمة الفهم ستبقى متماثلة بذاتها ما دامت هذه الإسقاطات قائمة؛ كم من باحث في هذا الموضوع يتكلم عن العائق الإبستيمولوجي ويسعى إلى معالجته وهو غير متحرر منه! فلا يمكن معالجة العوائق المعرفية المبسطة بالعوائق المعرفية المركبة.
يبدو البعض أسيرا في قفص معارف معينة، قرأها وغاص فيها ولم يستطع التحرر منها، وجعل من القرآن الكريم مجالا لترويج معارف لائقة بواقعها وبثقافتها، كتبها أصحابها لمعالجة أزمات ثقافتهم وحضارتهم، يعد اجترارها وإسقاطها ظلما مركبا: ظلما لهذه المعارف التي زُج بها في غير مجالها ، وظلما للقرآن الذي تسلطت عليه هذه المعارف من موقع الإسقاط الممقوت حتى إذا تصدينا لها بالنقد يُظن بأننا ضد هذه المعارف في ذاتها، والأمر ليس كذلك.
فهل تصح نسبة كل ما قيل أو كتب إلى المجال العلمي؟ هل كل ما كتب في الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس واللسانيات والهيرمينوطيقا والفيزياء والكيمياء والإبستيمولوجيا والطب وعلم الفلك ومناهج العلوم المادية والطبيعية وتاريخ الأديان والعقيدة وعلم الكلام وكلام الفرق والطوائف وأقوال الشعراء من الغرب والشرق يصلح أن نقرأ به القرآن؟ هل تعذر فهم القرآن وتعسر إدراك أحكامه حتى نسقط عليه كل هذه الفهوم؟
نخشى أن تصبح هذه ثقافة جديدة في التعامل مع النصوص الشرعية، يظن من يسلكها بأنها هي الثقافة الجديدة والحديثة الموصلة إلى غاية غير محددة سلفا، بحيث تصبح هذه الدراسات باسم (التكامل) هي الغاية، وهذا ينحو بها من التكامل بين العلوم إلى (التحامل) على العلوم.
هناك سؤال آخر جدير بالطرح: هل يمكن أن تتجاور التكنولوجيا الحديثة مع العلوم الإسلامية؟ وهل يمكن إدماجهما في بعضهما بما يخدم رغبة العلوم الإسلامية في تطوير نفسها بما يتلاءم مع خصوصيتها؟
وللإجابة على هذا السؤال يجب التفريق بين رغبتين:
• رغبة إسلامية ورغبة غربية؛ فالرغبة الإسلامية تطمح لذلك بناء على أن كل ما هو حق ونافع سيكون بالضرورة مفيدا، والحق لا ينافي الحق، والإبداع البشري ملك مشاع للجميع لا يُحارب ولا يُعادى.
• ورغبة غربية تحاول هدم العلوم الإسلامية وإزاحتها؛ فالتكنولوجيا لا يمكنها أن تتعايش مع العلوم الإسلامية تحت صيغة (الصراع بين العلم والدين)، العلم واحد لكن الدين يختلف؛ فالعلم عاش في صراع مع المسيحية، بخلاف الإسلام، فهو يرحب بالعلم ويدعو إليه ويشجع عليه، ولا يمكن إسقاط ذلك على هذا، فقوله تعالى: (لكم دينكم ولي دين) كافية في إيجاد الفرق وإثبات الفصل.
وكتابنا هذا لا يغوص في بحث هذه الإشكاليات بقدر ما يسعى إلى توجيه وتكوين وتأطير الجيل الباحث، المنتج للمعرفة والمسلح بثوابته وقيمه، والتي منها ينظر إلى الحضارة والوجود، فهو يركز على البناء الذي هو أساس العطاء، وعلى التأطير الذي هو أساس التفكير والتعبير، وكل هذا يدخل في الإعداد، إعداد الأجيال الصالحة لنفسها ولمجتمعها ولوطنها ولثوابتها وللإنسانية كلها ، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.